عدد متابعي الموقع الآن

الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

علم النوازل الفقهية تعريفا وتأصيلا وتحليلا

الكاتب المختار السالم ولد حرمة

مقدمة:
 الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و على آله الغر المحجلين وأصحابه الميامين وأزواجه أمهات المؤمنين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فقد كثر النقاش و الجدل حول استثمار النصوص الفقهية  الموجودة  في  الخزانات  لدى العلماء  لما لها  من أهمية علمية  وتاريخية و اجتماعية و قد كنت أود أن أقدم فيها بحثا علميا وإن لم أكن أهلا لذلك ولكن ما لا يمكن كله لا يترك جله أو بعضه .
- تعريف:فقه  النوازل
هذا المركب الإضافي  لابد من تعريف شطريه  تعريفا لغويا واصطلاحيا،  فالفقه في  اللغة  العلم بالشيء و ادراكه  على وجه مايريد المتكلم( و الفقه  في الأصل الفهم)[1]  قال تعالى:" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة  ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم  إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".[2]
وفي اصطلاح  علماء الشريعة  العلم بأحكام التكليف. فإن قيل معظم متضمن مسائل  الشريعة ظنونا قلنا ليست الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل منذ قيام الظنون[3] إياها- والنوازل جمع نازلة وهي في  اللغة الشدة تنزل بالقوم واصطلاحا هي الواقعة  الجديدة  التي تتطلب حكما شرعيا ليس  فيه نص  من كتاب ولا سنة ولا إجماع  ولا فتوى سابقة: وهذا بالنسبة لمن وقعت له ولم يستخرج حكمها إلا بالإجتهاد والقياس سواء  لم يكن فيها نص  إطلاقا أو كان فيها نص لم يبلغه وخرج حكمها، هذا التعريف فقهي فقط وقد تعرف تعريفا اجتمعيا كالتالي : (هي  في الواقع مشكلة عقائدية أو أخلاقية يصطدم بها المسلم في حياته اليومية فيحاول أن يجد لها حلا يتلائم وقيم المجتمع  بناء  على قواعد شرعية)[4]
وعندما تحل هذه  النازلة  بالمسلم فإنه يتوقف حتى يعلم حكم الله فيها كما نص عليه الفقهاء ويبدأ ببحثه عن حل لها وهذا الحل هو مايسمى في  الإصطلاح  الفقهاء فتوى فما هي  الفتوى وبما تكون ؟ ومن هو المؤهل  للفتوى ؟ و ماهي علاقة المفتي  بالمستفتي؟
الفتوى وارتباطها  بالمذهب:
إذا سأل شخص ما فقيها عن نازلة معينة ألمت به  فإنما يعطيه له هو فتوى والفتوى إسم مصدر بمعنى الإفتاء  وهو الإخبار بحكم الشرع  لا على وجه الإلزام وتطلق الفتوى أيضا على الحكم الذي وقع به الإفتاء  فيقال فتوى مشهورة أو ضعيفة[5]
 أما ما تكون به الفتوى فهو القول المعتمد ومعناه القول المعمول به في  المذهب والذي به الفتوى هو الصحيح و القوي و الراجع  عند الفقهاء  كما نص  على ذلك شراح خليل حيث قال الهلالي  في نور البصر ( مابه الفتوى هو القول الذي تكون به الفتوى من أقوال أهل المذهب  لأن منها  ماهو مشهور  أو مرجح وهو الذي يفتى به ومنها ماهو شاذ أو مرجوح و لايفتى به يقول العدوي عند قول خليل "مبينا لمابه الفتوى" ومابه الفتوى هو المشهور  أو المرجح ثم هذا ظاهر إذا كان في  المسألة راجح فقط أو مشهور فقط فلو لم يوجد  الأمران وكان بينهما تناف فيقدم المشهور كما في مسألة الدلك وكما لا تجوز  الفتوى  بغير المشهورو الراجح  لايجوز  الحكم ولا العمل  به) و يقول الهلالي  "مابه الفتوى هو ماليس بشاذ ولا ضعيف  من أقوال أهل المذهب فيصدق  بالمتفق عليه و المشهور و الراجح و المساوي وهذا ماعقده  العلامة  محمد النابغة العلاوي  من نظمه  لنفس الكتاب فقال :
 عليه فالراجح سوقه نفق
إن عدم الترجيح والتساوي


ومابه الفتوى تجوز المتفق
 وبعده  المشهور فالمساوي 

 ومقتضى نصوص  الأصوليين و الفقهاء أن العمل بالراجح واجب.
 شروط المفتي:
وللقائم بالفتوى شروط يجب أن تتوفر في من تصدر لهذا المنصب لجسامة مسؤوليته وعظم خطورته والذي هو منصب التوقيع عن رب العالمين وقد  صدق ابن  القيم  حيث سمى كتابه الخاص  بالمفتين و درجاتهم وشروطهم  إعلام الموقعين  عن رب  العالمين يقول الهلالي : في شروط المفتي
( وهو  أن يكون عدلا عارفا أما شرط العدالة فلكي لا يرتكب ما لا تجوز الفتوى به  قصدا أو تساهلا فالقصد أن يتعمد ذلك لغرض فاسد ، والتساهل أن لا يتثبت فيفتي بلا إمعان نظر بالمسألة ، وأما شرط المعرفة فلأن المطلوب من المفتي تبيين الحق الذي هو الحكم الشرعي[6] ، وملخص القول في هذا أن العلم شرط للتمكن من البحث ، والعدالة شرط لقبول القول ، وهذا ما أشار له العلامة سيد عبد الله ولد الحاج إبراهيم في مراقيه :

وليس في فتواه مفتي يتبع          إن لم يضف للدين والعلم الورع
وقال الشيخ محمد الحسن ولد احمد الخد يم أطال الله بقاءه :
فمنصب الفتوى له ما استاهلا      من كان في فتواه قد تساهلا
ومنع استفتاءه المـــــــــــفتون      ومن يقلده غدا مفــــــــــتونا
من لم يتصف بالدين والورع       فهو في الفتوى وخيم مرتعي
وبهذا يمكن تعريف فقه النوازل انطلاقا من معرفة أجزائه الثلاثة والتي هي الفقه ، والنوازل ، وما يترتب عليها وهو الفتوى بالتعريف التالي : (هو العلم الذي يقدم حلولا لنوازل فقهية مطروحة ، تتلاءم مع الواقع المعيش فيه) . أي أن هذه الحلول تتأثر بالزمان والمكان و الأعراف والعادات وأحوال المستفتي  لأن العلماء  كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة معينة وجه مستفتيه إلى عالم من أهل بلده لأنه أدرى بحكم ذلك البلد وعوائد  أهله
مصادر فقه النوازل -5
أما مصادر فقه النوازل فهي مصادر التشريع الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، الاجتهاد ،  وفي هذا البلد  الذي هو موريتانيا اعتمدت  الدولة مشهور المذهب المالكي و ذلك لتوحيد هذه  الفتاوى الصادرة عن علمائنا
أمهات  المذهب :
وأمهات هذا المذهب هي :  الموطأ من تأليف الإمام مالك بن أنس وهو كتاب جامع للحديث والآثار و السنن مع بعض  أراء  الإمام بالإضافة  للمدونة و هي مسائل عرضها عبد السلام بن سعيد المعرف بسحنون 240 هـ  على الإمام مالك و العتبية أو المستخرجة  لمحمد بن عتب  المتوفى 255 هـ و الواضحة وهي في السنن و الفقه لعبد الملك بن حبيب المتوفى سنة 288 هـ و الموازية و قد ألفها  محمد بن إبراهيم  المعروف بابن المواز المتوفي 269 هـ وهي أجل كتاب  ألفه  المالكية و أصحه مسائل وأبسطه  كلاما و أوعبه  وقد رجحها القابسي على سائر الامهات[7] وقد يطلق متأخروا الفقهاء على الكتب المعتمدة كشروح المدونة من مثل الجامع لابن يونس والتهذيب للبرادعي والتبصرة للخمي والجواهر لابن شأس والبيان والتحصيل لابن رشد والنوادر لابن أبي زيد وغيرها، وهذه الكتب أشار النابغة الغلاوي بقوله :
واعتمدوا تبصرة الفرحوني       وركبوا في فلكها المشحوني
واعتمدوا تبصرة اللـــخمي        ولم تكن لجاهل أميـــــــــــي
واعتمدوا الجامع لابن يونس     وكان يدعى مصحفا  لكن نسي
واعتمدوا التهذيب للبرادعي       وبالمدونة في البرا  دعي
- مكانته بين العلوم الشرعية
يعتبر فقه النوازل نقطة العبور من المصادر الشرعية أو النصوص إلى الواقع اليومي لتنزيل هذه النصوص على هذه الوقائع المستجدة وإعطائها في صيغة زبده جاهزة لا هي بالفروع المجردة من الأصول ولا بالأصول المنقطعة عن الواقع ، بمعنى أنها حكم شرعي في نازلة معينة عند تفحصه يعطيك دليله الشرعي المستند إليه وذلك باعتماده عادات وأعراف الناس وحالهم من يسر وعسر ........إلخ
ومن القواعد الخمسة التي بني عليها الفقه . تحكيم العادة ما لم تخالف الشرع.
ولابد من تعريف العادة والعرف والفرق بينهما إن وجد ، فالعادة والعرف بينهما خصوص وعموم على النحو التالي: فالعادة ما تعارفه الناس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطبائع السليمة فأصبح مألوفا لهم سائغا في مجرى حياتهم سواء كان قولا جرى عرفهم على استعماله في معنى خاص بهم كإطلاقهم لفظ الولد على الذكر دون الأنثى أم كان فعلا متبعا كالبيع بالتعاطي في السلع التي كثر تداولها تحدد سعرها8[8] .
أما العرف فهو عرفه الناس واعتادوه ويقترب معناه من معنى العادة إلا أنه أخص منها دلالة إذ هو غلبة معنى من المعاني في زمن من الأزمنة . وقيل تستعمل العادة فيما يتعلق بالأفعال ، والعرف فيما يتعلق بالأقوال . وينقسم العرف إلى عام وخاص وهو يغلب عند الإطلاق على العرف العام ويعتبر حجة ما لم يخالف الشرع وهو من المرجحات عند الفقهاء[9]
أهميته
وتكمن أهمية فقه النوازل في أنه يمكن الدارس من معرفة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع الذي يدرس نوازله في فترة معينة  وهذا ما جعل الباحثين يهتمون بفقه النوازل مؤخرا يقول سعد غراب محقق نوازل البرزلي . إن الثروة الكبيرة الموجودة في مثل هذه التصانيف تسمح لنا في رأيي بتجشم أتعاب النظر فيها ودراستها وربما تحقيقها عمليا إذ ذاك يمكن كل إنسان أن يفتش عن بغيته في هذا المنجم الخصب لأنها تسمح باستيعاب فترات زمنية طويلة ومقارنة حلول مختلفة في بعض الأحيان لنفس المشاكل .
لكن لا يمكن هذا إلا بتوجيه الباحثين إلى استخراج مكامن هذا المنجم وذلك بوجود أساتذة يقبلون الإشراف على تحقيق النوازل ودراستها مساهمة في معرفة ماضي المجتمعات وقد قام د.محمد مختار ولد السعد ويحي  ولد البراء ومحمد المختار ولد اباه وعبد الودود لد الشيخ  ومحمد بو علبية بالنسبة لجامعة نواكشوط باستثماربعض  النصوص لمعرفة ملامح  الحياة  الثقافية  والاجتماعية و السياسية  لماضي  الشعب الموريتاني ومن أمثلة ذلك الفتاوي و التاريخ لمحمد المختار ولد السعد و التاريخ  الأميري و تاريخ بلاد  المغافرة و تحقيقه لنوازل اشريف حماه الله التشيتي وحقق  يحي ولد البراء  نوازل أحمد ولد العاقل ونظم بوطليحية للنابغة  الغلاوي واصدر مؤخرا موسوعته  الكبيرة و التي هي عمل ثلاثين سنة  من العمل جمعا وتحقيقا وتأليفا إذ صدرت في اثني عشر مجلدا وقدم لها العلامة اباه ولد عبد الله شيخ محظرة النباغية فهنيئا ليحيى.
وفي  الماضي كانت النوازل التالية مطروحة أكثر.... العلاقة مع الأتباع أمراء  بني حسان ، المسائل الاجتماعية ، التصوف  ظاهرة الفداء ، خلط الطعام ، الحبس ،  القيم وأنواعها ، القضاء و التقاضي ، الجنايات.
وبإلقائنا نظرة دقيقة على هذه  النوازل نلاحظ مايلي :
(  أن الفتاوى ذات الطابع الفقهي .......مجرد نقل أمين  لفتاوى  المالكية في  الأقطار الأخرى وأن القضايا الاجتماعية تمثل فتاوى غير مستنسخة سعى من خلالها علماء موريتانيا إلى ( تنزيل النصوص  الشرعية  عن  الحوادث المستجدة تنزيلا يحكمه السياق الزماني  والظرف الملابس )
 هذا في الماضي و أما في الحاضر فهناك نوازل مازالت مطروحة تتطلب حلا شرعيا حقيقا ومن أهمها ( أحكام التعويضات في التأمين، التنظيم  الأسري ، زراعة  الأعضاء،  الإجهاض إذا أخبر الأطباء أن الجنين مشوه تشوها تستحيل معه الحياة ، العمل في البلاد غير المسلمة، وتكمن أهمية الاهتمام  بهذا الموضوع  في  النقاط التالية :
-        فهم  المعطيات  العلمية والعالمية فهما صحيحا
-    استثمار  التراث  الضخم الذي أنتجه علماؤنا  ماضيا وحاضرا وانتشاله من عبث الزمن به
-    الازدواجية بين الموسوعية والمنهجية أي بين النظام التربوي  المحظري والنظام التربوي  المدرسي
وانطلاقا مما مر معنا نجمل القول في مايلي :
 أنه إذا كان في الماضي لا يفتي إلا المجتهد فإنه اليوم أصبح إفتاء المقلد ضرورة  لا غنى عنها  في أي قطر و أن هذه  الوثائق مأمونة في جانب البحث بنسبة كبيرة لأن الغرض  منها أصلا هو الإخبار بالحكم الشرعي وكما يقول العلامة بن بي  فإن دار الحرب و دار السلم لم يعد لها مفهوم بسبب الحرية في  بلاد الغرب ويبقى الإشكال المطروح إلى أي مدى توفر لنا هذه النوازل حلول معاصرة لمشاكلنا انطلاقا من فقه النوازل.



[1] - لسان العرب لابن منظور ط دار الفكر بيروت بدون تاريخ مجلد 11 ص 16 ع 1
[2] - سورة التوبة الأية 122.
[3] -  إمام  الحرمين البرهان في أًول الفقه تحقيق د. عبد العظيم الديب .دار الأنصار  القاهرة .
[4] - تحقيق محطوطة  "جامع مسائل الأحكام"   للبرزلي  العدد 5-6 مزدوج 1479 ص 175 -177 م 1 ص8
[5] - نور البصر ص 147
[6] - نور البصر للهلالي ص 148
[7] -  عون المحتسب محمد عبد الرحمن ولد السالك العلوي ص 28.
[8] - التهاون كشاف اصطلاحات الفنون 4 / 933
[9] - التهاون كشاف اصطلاحات الفنون 4/933 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق